السبت الماضي، اتصل بي صديق الموقع الأستاذ عبد الرزاق من مدينة الدار البيضاء وهو في حالة حيرة شديدة، وقال لي: “عبدالجليل، ابني سامي (10 سنوات) جلس فالعتبة د الباب ورفض تماماً يلبس السبادرية ويمشي لـ التيران.. رغم أنه كان كيموت على كرة القدم وما كيضيع حتى حصة!”.
هذه الحادثة ليست فريدة من نوعها؛ فخلال زياراتي المستمرة للأكاديميات الكروية ومتابعة الناشئين، يتردد هذا المشهد كثيراً بين الآباء والأمهات. لكن قبل اتخاذ أي رد فعل غاضب، يجب أن نتوقف لفهم الرسالة الخفية خلف هذا التمرد المفاجئ.
ملاحظة مهمة لتحديد المشكلة: هناك فرق جوهري بين “نوبة البكاء اللحظية” التي تحدث أمام باب “التيران” دقائق قبل انطلاق الحصة والتي تناولناها بتفصيل تربوي في مقالنا حول التعامل مع بكاء الطفل قبل التمارين، وبين “الرفض السلوكي المتكرر” للذهاب من الأصل وهو في المنزل. الأول سلوك عاطفي لحظي، بينما الثاني نمط يعبر عن تراكمات نفسية أو بدنية تحتاج حلاً رزيناً.
لماذا يرفض طفلك الناشئ الذهاب إلى “التيران”؟
رفض الطفل للذهاب إلى التدريب لا يعني أبداً أنه أصبح “كسولاً” أو أنه فقد شغفه بكرة القدم للأبد. خلف هذا الرفض تقف أسباب حقيقية كشفتها الخبرة الميدانية والدراسات الرياضية:
1. الاحتراق النفسي والإجهاد البدني (Youth Athlete Burnout)
كثافة التمارين الأسبوعية، والتوفيق بين ضغط الامتحانات المدرسية والتصفيات الرياضية، تؤدي بالطفل إلى استنزاف طاقته. وفقاً لـ تقرير سريري صادر عن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (AAP) حول الإصابات الناتجة عن الإفراط فـ التدريب والاحتراق النفسي لدى الرياضيين الصغار، فإن التدريب المكثف دون أوقات راحة كافية يؤدي إلى ظاهرة “الاحتراق النفسي” (Burnout)، حيث يهرب عقله من الملعب كآلية دفاعية لحماية جسده من الإرهاق. وهذا ما ينعكس مستقبلاً على سلوكياته وشغفه، كما صغنا ذلك في مقالنا الشامل حول الأزمة الصامتة في تربية أطفال المغرب 2026.

2. بيئة “التيران” والتعامل مع المدرب و”الدراري فالفرقة”
قد تكون المشكلة داخل أرضية الملعب نفسها:
الصراخ والنقد القاسي: تعرض الطفل للتأنيب المستمر من المدرب عند ارتكاب خطأ في التمرير أو التسديد.
التهميش من الزملاء: شعور الطفل بأنه غير مرغوب فيه بين “الدراري فالفرقة” أو تعرضه للتهكم عند خسارة تمرين تنافسي.
3. الخوف من الفشل وضغط توقعات الوالدين
عندما يتحول الأب في المنصة إلى “مدرب ثاني” يصرخ ويوجه وينتقد كل حركة، يصبح الذهاب للتدريب بالنسبة للطفل أشبه باختبار صارم يُخشى السقوط فيه، فيفضل البقاء في المنزل لتجنب الشعور بخيبة أمل والديه.
4. غياب المتعة والتحول إلى الروتين الصارم
في سن الناشئين، كرة القدم هي “لعبة” قبل أن تكون تكتيكاً والتزاماً أعمى. إذا غابت الألعاب التنافسية والمرحة عن الحصة التدريبية، يقل الشغف تدريجياً ويفضل الطفل الألعاب الإلكترونية أو التلفاز.
خطوات عمليّة للتعامل مع الموقف داخل البيت
إذا امتنع طفلك اليوم عن ارتداء ملابسه الرياضية، اتبع هذه الخطة التربوية المجربة:
أولاً: الحوار الهادئ بعيداً عن الغضب والإجبار

تجنب الإرغام: إجبار الطفل على الذهاب وهو يبكي لن ينتج عنه سوى أداء سيئ وزيادة نفوره من الرياضة.
استخدم أسئلة الاستكشاف: بدلاً من القول: “علاش كتعكس ؟”، جرب أن تسأله بطفولة واحتواء: “سامي، واش عييتِي اليوم من القراية؟” أو “واش كاين شي حاجة ضايقاتك فالتدريبات أو التيران؟”.
ثانياً: التواصل المباشر مع مدرب الأكاديمية
تحدث مع المدرب في الهاتف أو بعيداً عن أذن الطفل. استفسر منه عن انضباطه في الحصص الأخيرة وعلاقته بزملائه. فالمدرب الواعي يعرف جيدا أساليب توجيه سلوك الطفل الرياضي ودور المدرب في إعادة الثقة للطفل دون إحراجه أمام زملائه.
ثالثاً: مراجعة خطة الراحة والتغذية
تأكد من أن الطفل يحصل على 8 إلى 9 ساعات من النوم المتواصل، وأن وجبة ما قبل التمرين تحتوي على كربوهيدرات سهلة الهضم لتزويده بالتقوية والنشاط. في كثير من الأحيان، يكون الرفض مجرد قناع لنقص الطاقة والنعاس. وفي هذا الصدد، فصّلنا الموضوع بشكل كامل فـ مقالنا حول أهمية نوم الناشئ الرياضي، يمكنك الاطلاع عليه للمزيد.
رابعاً: بناء الصلابة الذهنية وتجاوز الهزائم
إذا كان سبب امتناعه هو تعثره في مباراة سابقة أو الخوف من الفشل، يحتاج منك جرعة دعم نفسي مركزة. نوصيك بقراءة الدليل التربوي حول كيف تشجع طفلك بعد الهزيمة في المباراة؟ لتعليمه أن الخطأ هو أول خطوات التعلم.

متى يكون منح الطفل “استراحة” قراراً صائباً؟
ليس عيباً أن يمنح الأب طفله استراحة لمدة أسبوع أو أسبوعين عن الذهاب للأكاديمية إذا تبين أنه يعاني من إجهاد بدني أو ذهني حقيقي. هذه الاستراحة الحكيمة تجعل الطفل يستعيد أنفاسه، وتشعل فيه من جديد الشوق للركض خلف الكرة والعودة لزملائه بابتسامة وشغف مضاعف.
خلاصة القول: الهدف الأول من ممارسة الرياضة في مرحلة الفئات الناشئة هو بناء شخصية متوازنة وجسد سليم وتفريغ الطاقة الإيجابية. رفض التدريب مؤقتاً هو مجرد محطة عادية تمر بها أغلب المواهب الصاعدة، والحل يكمن في الإنصات، الاحتواء، والتركيز على المتعة قبل النتائج.

عبد الجليل ولد حموية باحث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، ومهتم بالتربية الرياضية وبناء الشخصية عبر الرياضة. راكم تجربة في تأطير الأطفال واليافعين من خلال تصميم وتنفيذ برامج وورشات تربوية وإبداعية داخل المؤسسات التعليمية والفضاءات الثقافية، كان من أبرزها تنشيط الورشات التربوية بالمعرض الدولي للنشر والكتاب، والإشراف على عدد من المبادرات التكوينية في مجال التربية والإبداع، إلى جانب إصداره لمجموعته القصصية “صرخة القيامة” ورواية “صهيل جسد”. كما يُعتبر كاتباً للمقالات في منصات رائدة مثل جريدة “هسبريس”. يؤمن بأن كرة القدم ليست مجرد منافسة رياضية، بل فضاء لغرس القيم، وتنمية المهارات الحياتية، وبناء الإنسان، وهو ما يسعى إلى تجسيده عبر منصة “تربية فوت” من خلال محتوى يجمع بين المعرفة العلمية والخبرة الميدانية.
